ابن أبي الحديد

67

شرح نهج البلاغة

[ ذكر غرائب الجراد وما احتوت عليه من صنوف الصنعة ] قال شيخنا أبو عثمان في كتاب " الحيوان " من عجائب الجرادة التماسها لبيضها الموضع الصلد ، والصخور الملس ، ثقة منها انها إذا ضربت بأذنابها فيها ، انفرجت لها ، ومعلوم أن ذنب الجرادة ليس في خلقة المنشار ( 1 ) ولا طرف ذنبه كحد السنان ، ولها من قوة الأسر ، ولا لذنبها من الصلابة ما إذا اعتمدت به على الكدية ( 2 ) خرج ( 3 ) ، فيها كيف وهي تتعدى إلى ما هو أصلب من ذلك ، وليس في طرفها كإبرة العقرب . وعلى أن العقرب ليس تخرق القمقم ، ( 4 ) من جهد الأيد وقوة البدن ، بل إنما ينفرج لها بطبع مجعول هناك ، وكذاك انفراج الصخور لأذناب الجراد . ولو أن عقابا أرادت أن تخرق جلد الجاموس لما انخرق لها الا بالتكلف الشديد ، والعقاب هي التي تنكدر ( 5 ) على الذئب [ الأطلس ] ( 6 ) ; فتقد بدابرتها ما بين صلاه إلى موضع الكاهل ( 7 ) . فإذا غرزت ( 8 ) الجرادة ، وألقت بيضها ، وانضمت عليها تلك الأخاديد التي هي أحدثها ، وصارت كالأفاحيص لها صارت حاضنة لها ومربية ، وحافظة وصائنة وواقية ، حتى إذا جاء وقت دبيب الروح فيها حدث عجب آخر ، وذلك لأنه يخرج من بيضه

--> ( 1 ) في الحيوان : ( المسمار ) . ( 2 ) الكدية : الصفاة العظيمة . وفي الحيوان : ( الكدية والكذانة ) واحدة الكذان ; وهي حجارة كأنها المدر فيها رخاوة . ( 3 ) في الحيوان : ( جرح ) . ( 4 ) القمقم : ما يسخن فيه الماء من نحاس وغيره ، ويكون ضيق الرأس . ( 5 ) تنكدر : تنقض . ( 6 ) من الحيوان . ( 7 ) تقد : تقطع . والدابرة : الإصبع التي من وراء رجلها . والصلا بالفتح : وسط الظهر . والكاهل : مقدم أعلى الظهر . ( 8 ) غرزت الجرادة : أثبتت ذنبها في الأرض لتبيض .